بين صمتِ الرحيل ووجعِ الحنين: وداعاً إبراهيم سعيد

بين صمتِ الرحيل ووجعِ الحنين: وداعاً إبراهيم سعيد
بقلم :أمين دبوان
لا يمرُّ رحيلُ الطيبين مرور الكرام، بل يترك في الروح جرحاً لا يلتئم، وفراغاً يصرخُ في زوايا المكان. لقد خيّم الحزنُ الثقيل على القلوب برحيل “إبراهيم سعيد عبد السلام”، الشاب الذي غادرنا في مقتبل العُمر، وفي ذروة عطائه، تاركاً خلفه سيرةً عطرةً من الأدب الجم والأخلاق الرفيعة التي كانت تشعُّ من عينيه دفئاً ومحبة.
لقد كان إبراهيم طيفاً عذباً مرَّ بيننا بجماله ولطفه، رحل ولم نرتوِ بعد من حضورِ إشراقته، ولم نكتفِ من نبل أخلاقه التي جعلت منه في قلوبنا علامة فارقة. لقد كان وداعاً بلا ضجيج، كأنما أراد الرحيل بهدوءٍ يُشبهُ نقاء قلبه، تاركاً في نفوسنا حنيناً لا ينتهي، وغصّةً في الحناجر تعجز الكلمات عن وصفها. رحل، وتركَ خلفه وداعاً ناقصاً، فصولاً لم تُكتب، وأحلاماً كادت أن تلامس السماء، لكنها توقفت عند عتبة الرحيل الأبدي.
لم تكن حياة إبراهيم مفروشةً بالورود، بل كان صراعاً مع الوجع منذ فجره الأول. نشأ يتيماً، حاملاً على كاهله ذكرى والده الذي خطفه الموت في سن مبكر وبنفس الطريقة ، تلك الذكرى التي تحولت إلى قدرٍ محتوم، حيث ألمّت به ذات النهاية المؤلمة وهو في مقتبل الثلاثينيات.
وها هي الأقدار! حين يكرر الزمن مأساته في ذات البيت؟ لقد كافحت والدته (عمتي) بقلب أم مكلومةٍ من أجل أن يشبَّ بطلاً، فكان لها ما أرادت ، لقد صار إبراهيم بطلاً في صبره، وسنداً لا يميل لزوجته التي باتت اليوم تلملم شتات أيامها بعده، ولولديه وابنتيه الذين باتوا يفتشون عن ملامحه في الصور، يطلبون منه ضمةً لن تعود، ويُنادون “أبتاه” في صمتِ وبلا جواب.
إبراهيم.. يا غصةً في قلوب المحبين، يا وجعاً يمتدُ في الذاكرة، نم قرير العين؛ فقد عشتَ نبيلاً، ورحلتَ كما العظماء، تاركاً خلفك إرثاً من الطيبة لن يمحوه الزمان، ودموعاً ستظلُّ تحفرُ اسمك على جدران الروح طالما بقينا.



