من صنعاء إلى باب المندب.. رسائل الحوثيين الناعمة لفرض الأمر الواقع

بمجرد سيطرة مليشيا الحوثي على المخا وأجزاء من الساحل الغربي واقترابها من مضيق باب المندب، بدأت بإرسال رسائل ناعمة إلى الخارج، تحاول من خلالها طمأنة المجتمع الدولي بشأن أمن الملاحة الدولية، والتأكيد أن تحركاتها لا تستهدف حركة التجارة في البحر الأحمر.
هذه الرسائل، التي تبدو في ظاهرها تطمينات بشأن الملاحة، تأتي في توقيت يتزامن مع تحرك عسكري يسعى إلى تكريس واقع جديد على الأرض، وهو ما يجعلها أقرب إلى محاولة لتقديم التمدد العسكري بصورة مختلفة عن حقيقته.
فالحديث الحوثي عن أمن الملاحة، وربط أي تصعيد بوقف ما تسميه الجماعة “العدوان” و”الحصار”، لا ينفصل عن خطاب سياسي أوسع يتوازى مع الموقف الإيراني.
وفي بيان نقلته وكالة أنباء فارس، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية ضرورة احترام استقلال اليمن وسيادته الوطنية ووحدة أراضيه، وإنهاء الحصار غير القانوني واللاإنساني المفروض عليه.
وفي لغة تشبه التهديد، شددت الوزارة على أن الأمن والاستقرار في غرب آسيا ومنطقة البحر الأحمر لن يتحققا دون احترام حقوق وكرامة الشعب اليمني.
رغم هذه المظاهر والمواقف المشبعة بمصطلحات الحقوق والسيادة والحصار، لا يغيب عن المراقبين سجل المليشيا خلال أكثر من عقد بحق المدنيين في البلاد، وهجماتها على السفن ودول الجوار، ومحاولاتها تعطيل المصالح الاقتصادية.
وبالتالي، لا تبدو الرسائل الحالية بشأن باب المندب جديدة تماماً، بل تذكّر بأسلوب استخدمته المليشيا منذ بدايات تمددها في اليمن.
عندما دخل الحوثيون صنعاء في سبتمبر 2014، لم يقدموا انتشارهم المسلح بوصفه عملية للسيطرة على مؤسسات الدولة، بل أحيط بخطاب أمني وشعارات حاولت إضفاء طابع شعبي على وجود المسلحين في الشوارع.
كان أبرز تلك المصطلحات “اللجان الشعبية”، التي قُدمت باعتبارها قوة لحماية المؤسسات وتنظيم المرور وحفظ الأمن.
وانتشرت نقاط التفتيش في العاصمة، فيما رافق ذلك خطاب يؤكد أن الإجراءات المتخذة تستهدف حماية المواطنين لا إخضاعهم.
لكن الصورة التي حاولت الجماعة تقديمها آنذاك سرعان ما اصطدمت بما وثقته التقارير والشهادات من اعتقالات واختطافات وتعذيب وقتل وانتهاكات واسعة بحق المدنيين.
وفي أحدث التقارير الحقوقية، وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، نحو 59 ألف حالة قتل وإصابة طالت المدنيين في اليمن، برصاص وقذائف وألغام مليشيا الحوثي، منذ العام 2015م.
لفت التقرير إلى أن هذه الأرقام تعكس حجم الخسائر البشرية التي تعرض لها المدنيون اليمنيون خلال سنوات الحرب، وما خلفته ممارسات مليشيات الحوثي من قتلى وجرحى وأشخاص يعانون من إعاقات دائمة، فضلاً عن استمرار خطر الألغام التي تهدد حياة المدنيين وتعيق عودتهم الآمنة إلى مناطقهم وممارسة حياتهم الطبيعية.
وإذا كان الحوثيون قد استخدموا في البدايات خطاباً أمنياً لتقديم انتشارهم المسلح على أنه إجراء لحماية المواطنين والمؤسسات، فإن بعض هذه الرسائل التي يوجهونها اليوم بشأن باب المندب تسير في الاتجاه نفسه، وهو تطمين المجتمع الدولي بشأن الملاحة، أو اللعب على التباينات الإقليمية والدولية بالتزامن مع تحرك عسكري على الأرض.
وإذا كان شعور المدنيين في اليمن بالمرارة والخذلان من المجتمع الدولي مستمراً، بعدما تركوا على مدى هذه السنوات هدفاً للقنص والألغام التي زرعتها المليشيا، فضلاً عن تعطل الحياة العامة في البلاد، فإن التطورات الأخيرة تطرح تساؤلات تتجاوز الداخل اليمني.
فباب المندب ليس مجرد ممر مائي محلي، بل أحد أهم نقاط الاختناق في التجارة العالمية، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومنه تمر حركة تجارية بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
ومن هنا تبرز تساؤلات عدة: هل يمكن أن يصمت العالم أمام هذا التصعيد الحوثي في أحد أهم الممرات الدولية؟ وما الإجراءات والسيناريوهات التي يمكن أن تُتخذ لمنع تحول باب المندب إلى ورقة ضغط في الصراع الإقليمي؟
كل الأنظار تتجه الآن إلى الإجراءات العسكرية التي ستقودها قوات الجيش اليمني بمساعدة الحلفاء والأشقاء لمنع هذا التهديد.
في المحصلة، وبحسب تأكيدات رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، تعليقاً على ما حدث، فإن حماية الساحل اليمني واستعادة الدولة سيطرتها على أراضيها وموانئها ومياهها الإقليمية تمثل “مصلحة يمنية ومصرية وعربية ودولية مشتركة”.
كما أكد مجلس الدفاع الوطني أن “أي تقدم ميداني عارض لن يمنح المليشيات حق فرض أمر واقع بالقوة، ولن يغير من حقيقة أن هذه المعركة ليست معركة موقع أو مديرية أو جبهة منفردة”.
وبين الرسالة التي تريد المليشيا إيصالها إلى العالم، والواقع الذي تفرضه على الأرض، يبقى باب المندب أمام اختبار جديد، ليس لليمن وحده، وإنما للمصالح الدولية المرتبطة بأحد أهم الممرات الملاحية في العالم.



