أخبار اليمن

اليمن: قنبلة الميليشيات الموقوتة على أعتاب الخليج

اليمن: قنبلة الميليشيات الموقوتة على أعتاب الخليج
سقطرى نيوز : تقرير

مقدمة: الهدوء الذي يسبق العاصفة

بعيداً عن ضجيج المفاوضات السياسية المتعثرة والهدن الهشة، تتشكل في اليمن بهدوء مقلق حقيقة جديدة وأكثر خطورة. على طول الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية والحدود الغربية لسلطنة عمان، لا يتشكل مجرد تهديد تقليدي، بل قنبلة موقوتة بحجم دولة، جيش جرار من المقاتلين لا يجمعهم ولاء لوطن، بل ولاء لمن يدفع أكثر. إنها ظاهرة “الميليشيات المرتزقة” التي تنامت كسرطان في جسد اليمن المنهك، وباتت اليوم تشكل خطراً وجودياً قد يغير وجه المنطقة إلى الأبد.

حجم التهديد: أرقام مرعبة على بعد أمتار

قد تبدو الأرقام للوهلة الأولى مبالغاً فيها، لكنها تعكس واقعاً مريراً. تشير تقديرات مختلفة إلى أن عدد المقاتلين المنضوين تحت كيانات مسلحة غير حكومية في اليمن يتراوح بين 750 ألف إلى مليون مقاتل. هذا الرقم الهائل، الذي يفوق تعداد جيوش العديد من الدول المستقرة، لا يمثل جيشاً وطنياً موحداً، بل فسيفساء خطيرة من الميليشيات المتنافسة:

في الشمال: تسيطر جماعة الحوثي على جيش عقائدي كبير، لكن إلى جانبه تنشط شبكات مسلحة ومقاتلون قبليون يعملون وفق مصالحهم الخاصة.

في الجنوب: يتوسع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته المسلحة، إلى جانب تشكيلات أخرى مدعومة من أطراف مختلفة، لكل منها أجندتها الخاصة.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في العدد، بل في الخصائص. هؤلاء المقاتلون ليسوا جنوداً نظاميين، بل هم نتاج بيئة من الفقر المدقع والجهل والانهيار الاقتصادي. لقد نشأ جيل كامل لا يعرف مهنة سوى حمل السلاح، ولا يرى في البندقية إلا أداة للعيش ومصدراً للرزق. إنهم يقتاتون من الحرب، وليس لديهم ما يخسرونه في السلم. هذا يجعلهم وقوداً لأي صراع قادم، وأدوات طيعة في يد من يملك المال، سواء كان دولة، أو منظمة، أو حتى شركة.

بيئة التفريخ: كيف تحول اليمن إلى “بازار البندقية”؟

لم تظهر هذه الظاهرة من فراغ. لقد كانت نتيجة حتمية لسنوات من الحرب وتآكل الدولة. يمكن تلخيص أسباب هذا التحول الكارثي في النقاط التالية:

1. انهيار الاقتصاد: أدت الحرب إلى تدمير البنية التحتية، وتوقف عجلة الإنتاج، وفقدان ملايين اليمنيين لوظائفهم. في هذا الواقع، أصبح الانضمام إلى ميليشيا هو الخيار الوظيفي الوحيد المتاح للشباب، حيث يوفر راتباً شهرياً، مهما كان ضئيلاً، وطعاماً وسلاحاً يمنح شعوراً بالقوة والسلطة.

2. غياب الدولة المركزية: أدى انهيار مؤسسات الدولة، خاصة الجيش والأمن، إلى فراغ هائل. في هذا الفراغ، تقدمت الميليشيات لتلعب دور الدولة: توفر الأمن (لمناطقها)، وتجبي الضرائب، وتفصل في النزاعات. لقد أصبحت سلطات أمر واقع، مما عزز من شرعيتها في نظر المجتمعات المحلية.

3. التدخلات الخارجية: أدى الصراع الإقليمي على النفوذ في اليمن إلى ضخ كميات هائلة من الأموال والأسلحة لدعم أطراف مختلفة. هذا الدعم، الذي كان يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية محددة، أدى بشكل غير مباشر إلى خلق وحوش مسلحة يصعب السيطرة عليها الآن.

الخطر على الخليج: عندما يخرج المارد من القمقم

تتعامل دول الخليج، وخاصة السعودية وعمان، مع هذا الواقع بكثير من القلق. فالتهديد هذه المرة ليس مجرد صواريخ باليستية أو طائرات مسيرة يمكن اعتراضها، بل هو تهديد بشري، سائل، وغير متوقع. يتمثل الخطر في عدة سيناريوهات كارثية:

– سيناريو الفوضى الشاملة: إذا انهارت آخر خيوط السيطرة، قد تتحول هذه الميليشيات إلى عصابات متناحرة، مما يؤدي إلى فوضى عارمة على الحدود. قد تندفع موجات من المقاتلين واللاجئين نحو الأراضي السعودية والعمانية، مما يخلق أزمة أمنية وإنسانية غير مسبوقة.

– سيناريو الابتزاز: قد تستخدم بعض هذه الميليشيات قوتها لابتزاز دول الجوار، من خلال شن هجمات محدودة على الحدود، أو تهديد الملاحة البحرية، أو استهداف المنشآت النفطية، وذلك بهدف الحصول على مكاسب مالية أو سياسية.

– سيناريو القاعدة الخلفية للإرهاب: الفوضى وانعدام السيطرة يجعلان من اليمن أرضاً خصبة لعودة نشاط التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش. يمكن لهذه التنظيمات أن تجند الآلاف من هؤلاء المقاتلين المحبطين والعاطلين عن العمل، وتستخدم اليمن كقاعدة لشن هجمات على دول الخليج والعالم.

الخاتمة: قبل أن يهدم المعبد على الجميع

إن ما يحدث في اليمن اليوم هو أبعد من مجرد صراع على السلطة. إنه تحول ديموغرافي وأمني خطير، يخلق جيلاً كاملاً من المقاتلين المرتزقة الذين لا يؤمنون بوطن. إنهم “المارد اليمني” الذي يخشى الخليج أن يخرج من قمقمه، فلا يمكن إعادته إليه. إن استمرار الوضع الراهن هو بمثابة اللعب بالنار على حافة برميل بارود. فإذا انفجر هذا البرميل، فإن شظاياه لن تبقى داخل حدود اليمن، بل ستتطاير لتهدم المعبد على رؤوس الجميع، ولن يكون هناك رابح في هذه اللعبة الخطرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى