أخبار الأرخبيل
أشجار دم الأخوين في جزيرة سقطرى وتحديات البقاء

مقدمة
تعتبر شجرة دم الأخوين (Dracaena cinnabari) أيقونة جزيرة سقطرى اليمنية ورمزاً لفرادة نظامها البيئي. هذه الشجرة، التي تبدو وكأنها خرجت من إحدى القصص الخيالية بشكلها الفريد الذي يشبه المظلة المقلوبة، لا توجد في أي مكان آخر على وجه الأرض. ارتبط اسمها بالأساطير القديمة نظراً للراتنج الأحمر القاني الذي ينزف منها عند قطعها، والذي عُرف بـ “دم التنين” واستُخدم لقرون في الطب التقليدي والصبغات والطقوس السحرية. [1][2]
لكن هذا الكنز الطبيعي الفريد يواجه اليوم تهديدات وجودية متزايدة. تقف أشجار دم الأخوين، التي صمد بعضها لمئات السنين، على حافة الهاوية بسبب مزيج معقد من التغيرات المناخية القاسية، والضغوط البشرية المتزايدة، وعدم الاستقرار السياسي. يسعى هذا التقرير إلى تسليط الضوء على الخصائص البيولوجية والبيئية لهذه الشجرة الاستثنائية، وتحليل الآثار المدمرة للتوسع العمراني، والسياحة غير المنظمة، والأعاصير المتزايدة الشدة، مع استعراض الجهود المبذولة لإنقاذها من الانقراض.
الخصائص البيولوجية والبيئة الفريدة.
تتميز شجرة دم الأخوين بمجموعة من الخصائص البيولوجية والبيئية التي تجعلها متكيفة بشكل فريد مع بيئتها القاسية في جزيرة سقطرى، وتلعب دوراً محورياً في النظام البيئي المحلي.
المظهر والتكيف
تأخذ الشجرة شكل مظلة كثيفة ومقلوبة، وهو تكيف استثنائي يساعدها على البقاء في الظروف القاحلة. يعمل هذا التاج الواسع على توفير أقصى درجات الظل لتقليل عملية التبخر من التربة المحيطة بجذورها، مما يخلق مناخاً محلياً مصغراً يساعد على بقاء الشتلات الصغيرة التي تنمو تحتها. هذا التكيف يفسر سبب نمو الأشجار في تجمعات متقاربة. [1]
تنمو الشجرة ببطء شديد، بمعدل يتراوح بين 2 إلى 3 سنتيمترات فقط في السنة. أوراقها طويلة وصلبة وتوجد فقط في نهايات الفروع الحديثة، ويتم تجديدها كل 3 إلى 4 سنوات. أما فروعها السميكة فتتفرع بشكل ثنائي، حيث ينقسم كل فرع إلى فرعين بشكل متكرر، مما يساهم في تكوين شكلها التاجي المميز.
الدور في النظام البيئي
تلعب شجرة دم الأخوين دوراً حيوياً كـ “نوع أساسي” (Keystone Species) في النظام البيئي لسقطرى. تعمل فروعها المتشابكة وأوراقها الشبيهة بالمظلات على التقاط الرطوبة من الضباب والمطر، وتوجيهها نحو التربة تحتها. هذه العملية لا توفر المياه للشجرة نفسها فحسب، بل تدعم أيضاً ازدهار النباتات المجاورة في مناخ الجزيرة الجاف. [4]
يقول عالم الأحياء البلجيكي كاي فان دام، المتخصص في الحفاظ على البيئة والذي عمل في سقطرى منذ عام 1999: “عندما تفقد الأشجار، تفقد كل شيء، التربة والمياه والنظام البيئي بأكمله”. [4]
تؤكل ثمارها اللحمية الصغيرة ذات اللون البرتقالي-الأحمر من قبل الطيور، مثل طائر “زرزور سقطرى” المستوطن، الذي يقوم بدوره بتشتيت البذور، مما يساهم في عملية التكاثر الطبيعي للشجرة. [1]
التهديدات الوجودية: مستقبل على المحك.
تواجه أشجار دم الأخوين مستقبلاً غامضاً بسبب مجموعة من التهديدات المتشابكة التي تضع بقاءها على المدى الطويل في خطر حقيقي. هذه التهديدات، التي تتراوح بين الكوارث الطبيعية والضغوط البشرية، تعمل مجتمعة على تسريع تدهور هذا النظام البيئي الفريد ويأتي على راس تلك التهديدات:
1. التغيرات المناخية والأعاصير المدمرة
يمثل تغير المناخ التهديد الأكبر والأكثر إلحاحاً. لقد أصبحت الأعاصير في بحر العرب أكثر تواتراً وشدة بشكل ملحوظ خلال العقود الأخيرة. [4] [5] وكانت جزيرة سقطرى في قلب هذه العواصف العنيفة:
• أعاصير 2015: ضربت عاصفتان مدمرتان الجزيرة في تتابع سريع، في حدث غير مسبوق في شدته، مما أدى إلى اقتلاع آلاف الأشجار، بعضها كان يقف شامخاً لأكثر من 500 عام. [5]
• إعصار 2018: أضاف إعصار آخر المزيد من الدمار إلى الغابات المنهكة أصلاً. [4]
بالإضافة إلى الأعاصير، يؤدي الجفاف التدريجي الذي يشهده الأرخبيل منذ قرون إلى تفاقم الوضع. تتنبأ النماذج المناخية بأن ما يصل إلى 45% من الموائل الحالية لشجرة دم الأخوين قد تصبح غير صالحة لنموها بحلول عام 2080. [1]

2. التوسع العمراني والسياحة غير المنظمة
يشكل النمو السكاني والتوسع العمراني غير المقنن ضغطاً هائلاً على البيئة الهشة للجزيرة. تتطلب عمليات البناء استخراج الأحجار والرمال والأخشاب من البيئة المحلية، مما يؤدي إلى تدمير الموائل الطبيعية للعديد من الكائنات الحية الدقيقة والزواحف والطيور التي تعتمد على هذه الموارد. [6]
“نلاحظ اختفاء الكثير من الأشجار وعدم نموها في الأماكن التي تؤخذ منها الأحجار حيث تحولت هذه الأماكن إلى صحاري جرداء… الجزيرة في خطر”، يقول مواطن سقطري يعمل في نقل الأحجار. [6]
3. الجذب السياحي وتناميه
من ناحية أخرى، تجذب سقطرى حوالي 5000 سائح سنوياً، مما يوفر دخلاً حيوياً للسكان المحليين. ومع ذلك، فإن السياحة غير المنظمة يمكن أن تؤدي إلى تفاقم المشاكل البيئية. ورغم أن معظم الزوار هم من السياح البيئيين، فإن غياب الرقابة الصارمة والبنية التحتية المناسبة يمكن أن يترك أثراً سلبياً. إن اختفاء هذه الأشجار لا يمثل خسارة بيئية فحسب، بل يهدد أيضاً سبل عيش العديد من العائلات التي تعتمد على السياحة. [4]
4. الرعي الجائر وعدم الاستقرار السياسي
تعتبر الماعز الطليقة أحد أخطر التهديدات على مستقبل غابات دم الأخوين. هذه الحيوانات، التي تتكاثر بأعداد كبيرة، تلتهم الشتلات الصغيرة قبل أن تتاح لها فرصة النمو، مما يوقف عملية التجدد الطبيعي للغابات بشكل شبه كامل. ونتيجة لذلك، فإن معظم الغابات المتبقية هي غابات “عجوز” تتكون من أشجار كبيرة في السن، مع غياب شبه تام لجيل جديد يحل محلها. [4] [5]
5. الاضطرابات السياسية
يزيد عدم الاستقرار السياسي في اليمن من تعقيد المشهد. فمع استمرار الحرب وتدهور الوضع الاقتصادي، تحتل قضايا الحفاظ على البيئة مرتبة متأخرة في سلم أولويات الحكومة. هذا الوضع يترك جهود الحماية في أيدي السكان المحليين والمنظمات غير الحكومية القليلة، التي تعمل بموارد محدودة للغاية في مواجهة تحديات هائلة. [5]
بصيص أمل: جهود الحفظ والمستقبل
على الرغم من الصورة القاتمة، لا يزال هناك أمل في إنقاذ أشجار دم الأخوين. تُبذل جهود حثيثة على المستويين المحلي والدولي لحماية هذا الإرث الطبيعي، مع التركيز على الحلول المستدامة التي تشرك المجتمع المحلي.
الجهود الدولية والمحلية
يحظى أرخبيل سقطرى باعتراف دولي كأحد مواقع التراث العالمي لليونسكو ومنطقة حيوية للتنوع البيولوجي. [1] [6] كما أن شجرة دم الأخوين مدرجة في الملحق الثاني من اتفاقية CITES، مما يوفر لها بعض الحماية من التجارة الدولية. [1]
على الصعيد المحلي، يقود السكان المحليون جهود الحفظ بمبادرات ملهمة رغم شح الموارد. تقوم بعض العائلات، مثل عائلة أديب وعائلة كيباني، بإنشاء مشاتل خاصة لحماية الشتلات الصغيرة من الماعز. هذه المشاتل، رغم بساطتها، تمثل خط الدفاع الأول لضمان وجود جيل جديد من الأشجار. [5]
“بالنسبة لهم، العمل شخصي للغاية. إنهم يرون الأشجار كجزء من عائلتهم. ويذكر أحد أفراد العائلة : إن مشاهدتها تموت مثل فقدان أحد أطفالك”، تنقل الصحفية أنيكا همرشلاغ. [5]
توصيات للمستقبل
لضمان بقاء أشجار دم الأخوين، يوصي الخبراء باتخاذ مجموعة من التدابير العاجلة، تشمل:
• توسيع المحميات الطبيعية: مثل محمية “Skund Nature” لتغطية المزيد من الموائل الهامة. [1]
• الحد من الرعي الجائر: من خلال تنظيم أعداد الماشية وإيجاد حلول مستدامة مع الرعاة.
• التخطيط العمراني المستدام: وضع قيود صارمة على التوسع العمراني والبنية التحتية، خاصة في المناطق الحساسة بيئياً. [6]
• دعم المشاتل المحلية: توفير التمويل والمواد اللازمة لإنشاء مشاتل أكثر متانة واستدامة.
• إشراك المجتمع المحلي: ضمان أن تكون المجتمعات المحلية هي المستفيد الأول من جهود الحفظ والسياحة البيئية.
خاتمة
إن مصير شجرة دم الأخوين في سقطرى هو اختبار حقيقي لمدى قدرة البشرية على حماية كنوزها الطبيعية الأكثر هشاشة في مواجهة تغير المناخ والضغوط التنموية. هذه الشجرة ليست مجرد أعجوبة نباتية، بل هي حجر الزاوية في نظام بيئي فريد وركيزة أساسية لثقافة واقتصاد مجتمع بأكمله. إن فقدانها لن يكون مجرد خسارة لنوع نادر، بل سيكون بمثابة انهيار لنظام بيئي متكامل وهوية ثقافية ضاربة في القدم.
إن إنقاذ شجرة دم الأخوين يتطلب تضافر الجهود على كافة المستويات، من الالتزام الدولي بدعم جهود الحفظ، إلى التمكين الفعلي للمجتمعات المحلية التي كانت وستظل الحارس الأول لهذا الإرث. لا يزال هناك وقت لتغيير المسار، ولكن نافذة الفرصة تضيق بسرعة. إن الإجراءات التي سيتم اتخاذها اليوم ستحدد ما إذا كانت الأجيال القادمة ستتمكن من رؤية هذه المظلات الخضراء الأسطورية وهي تقف شامخة في سماء سقطرى، أم أنها ستصبح مجرد ذكرى في صفحات التاريخ.
المراجع
[1] “دم الأخوين”، ويكيبيديا، الموسوعة الحرة. https://ar.wikipedia.org/wiki/دم_الأخوين
[2] “شجرة دم الأخوين باليمن..تعرّف إلى الأساطير وراء تسمية ‘أحد كنوز العالم النباتي’”، CNN بالعربية، 30 يونيو 2020. https://arabic.cnn.com/…/dragons-blood-tree-socotra-yemen
[3] “Dracaena cinnabari (Dragon Blood Tree)”, Gardenia.net. https://www.gardenia.net/…/dracaena-cinnabari-dragon…
[4] “‘دم التنين’ في سقطرى.. كنز بيئي نادر مهدد بالاندثار”، الجزيرة نت، 20 مايو 2025. https://www.aljazeera.net/climate/2025/5/20/دم-التنين-سقطرى-اليمن
[5] “Climate change drives ancient Socotra dragon’s blood tree to brink of extinction”, PBS NewsHour, 1 نوفمبر 2025. https://www.pbs.org/…/climate-change-drives-ancient…
[6] “التوسع العمراني غير المقنن في سقطرى..تهديد خطير للبيئة والتنوع الايكولوجي”، حلول بوست، 15 مارس 2024. https://www.huloolpost.net/black-smoke/3110




