تعز: ندوة لوحدة الدراسات والاستشراف بالمجلس الأعلى للمقاومة الشعبية تناقش الأزمة الاقتصادية في اليمن وتطرح رؤى للتعافي

نظمت وحدة الدراسات والاستشراف بالأمانة العامة للمجلس الأعلى للمقاومة الشعبية، اليوم الأربعاء، ندوة اقتصادية في مدينة تعز، لتشخيص الأزمة الاقتصادية التي تمر بها اليمن، بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين الاقتصاديين وسيدات ورجال أعمال وبنوك تجارية ومنظمات مجتمع مدني.
وفي افتتاحيّة الندوة، التي حملت عنوان: “الانهيار الاقتصادي في اليمن.. الخلفيات والتداعيات وفرص التعافي”، رحّب أمين عام المجلس، الأستاذ محمد عزام، بجميع الحاضرين، مؤكداً أن تنظيم هذه الندوة يأتي في إطار الحرص على بناء وعي وإدراك شامل بالواقع المعيشي الذي تمر به البلاد.
وأوضح عزام أن جذر الأزمة اليمنية يتجلى بوضوح في بعدها الاقتصادي، قائلاً: “مشكلتنا ليست مشكلة عسكرية ولا سياسية بالأساس بقدر ما هي مشكلة اقتصادية انعكست بظلالها على كل الحياة وكل المجالات”. وأضاف أن النظر إلى الملف الاقتصادي باعتباره مجرد هامش أو نتيجة ثانوية للصراع هو “تفكير بسيط”، مشدداً على أن قضايا الاقتصاد والعيش الكريم هي المحرك والجوهر الحقيقي للواقع الراهن.
وفي الورقة الأولى، استعرض أستاذ الاقتصاد المساعد في جامعة تعز، الدكتور معين علي الهويش، إطارا تحليليا متكاملا لتشخيص الاقتصاد اليمني خلال الفترة (2014-2025). وشخصت الورقة البنية الاقتصادية الراهنة عبر رصد 12 اختلالاً هيكلياً تتوزع بين اختلالات محورية كالاعتماد المفرط على النفط وضعف الحوكمة، واختلالات ناتجة عن صدمات القطاع المصرفي وتدهور الخدمات، إضافة إلى الاختلالات التراكمية المتمثلة في اتساع الفقر ليشمل أكثر من 80% من السكان وتآكل رأس المال البشري. موضحا أن هذه التشوهات أدت إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للدولة وتغذية دائرة الأزمات المتلاحقة، مشدداً على أن الاعتماد على “آليات البقاء” المجتمعية يظل حلاً موقتاً لا يمكنه تأسيس اقتصاد متين أو تحفيز النمو المستدام.
واستشرافًا لآفاق المستقبل، طرح الدكتور الهويش ثلاثة سيناريوهات لاقتصاد اليمن؛ تمثل الأول في استمرار الهشاشة والارتهان لـ “اقتصاد البقاء” المعتمد على المساعدات وتحويلات المغتربين، ويرسم الثاني تعافياً تدريجياً محدوداً بإصلاحات جزئية وتهدئة أمنية. بينما جَزم بأن السيناريو الثالث المتمثل في “التحول الهيكلي الشامل” هو المسار الوحيد لتحقيق تنمية مستدامة، عبر إصلاح مؤسسي جذري، وتوحيد السياسات المالية والنقدية، وإعادة بناء القاعدة الإنتاجية والاستثمار في الإنسان.
ودعا في توصياته إلى ضرورة الإسراع في توحيد المؤسسات الاقتصادية والبنك المركزي، وضبط استقرار سعر الصرف، وحماية الخدمات الأساسية، إلى جانب دعم الأمن الغذائي والتمويل الصغير للمشروعات الإنتاجية لتجاوز تداعيات الأزمة القائمة.
من جانبه، استعرض الصحفي والباحث الاقتصادي وفيق صالح، في ورقته الواقع الاقتصادي الراهن في اليمن وتداعياته متعددة الأبعاد، مسلطا الضوء على التدهور المستمر الذي يشهده الاقتصاد اليمني بفعل الحرب والانقسام المالي والنقدي وتوقف صادرات النفط، محذرا من انعكاسات ذلك على الأوضاع المعيشية والإنسانية في البلاد.
وأوضحت الورقة أن الاقتصاد اليمني يواجه انكماشًا متواصلًا. مؤكدة أن توقف صادرات النفط والغاز منذ أكتوبر 2022 تسبب في هبوط الإيرادات العامة وتراجع نسبة تغطيتها للنفقات إلى 51.8% في عام 2025م، مع ارتفاع الدين العام الداخلي إلى نحو 8.59 تريليون ريال. ولفت الباحث إلى أن الانقسام النقدي واتساع الفجوة بين الطبعتين من العملة، وازدواج الرسوم وتوترات الملاحة في البحر الأحمر أدّت إلى موجات تضخم حادة وارتفاع أجور الشحن، مما ضاعف المعاناة المعيشية للسكان، حيث وصل عدد المحتاجين للمساعدات إلى أكثر من 22 مليون شخص في عام 2026م.
واختتم الباحث ورقته بالتأكيد على أن التعافي الاقتصادي يتطلب تحييد الملف الاقتصادي عن الصراع السياسي، موصياً بتوحيد السياسة النقدية، واستئناف تصدير النفط، وضمان الانتظام في صرف مرتبات موظفي الدولة.
وفي مداخلة له، قدم الخبير الاقتصادي الدكتور محمد قحطان، عدداً من الرؤى والمقترحات العملية التي من شأنها الإسهام في إخراج اليمن من حالة الانهيار الاقتصادي، مشدداً على أهمية الإصلاحات المؤسسية، وتعزيز الحوكمة، وتوحيد السياسات الاقتصادية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والقطاع الخاص.
وشهدت الندوة مداخلات ونقاشات موسعة من قبل المشاركين، تناولت مختلف جوانب الأزمة الاقتصادية وتداعياتها، مؤكدين أهمية توحيد الجهود الوطنية، وتفعيل الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية، بما يسهم في تخفيف معاناة المواطنين ووضع أسس لتعافٍ اقتصادي مستدام.






