معادلة الردع تحت الاختبار.. نزيف حوثي وتساؤلات عن معركة الحسم

تحاول مليشيا الحوثي تسجيل اختراقات عسكرية باتجاه مدينة المخا ومناطق الساحل الغربي، حيث المضيق الأهم في العالم والمتحكم بحركة الملاحة الدولية.
ومنذ الهجوم الكبير الذي بدأته فجر الخميس الماضي، عبر أنساق متعددة، واجهت المليشيا تعزيزات عسكرية وعمليات هجومية مضادة على طول الساحل الغربي.
وفيما تتواصل المعارك في عدد من جبهات الساحل وريف غربي تعز، دخلت المعركة هذه المرة متغيرات جديدة ومختلفة، أبرزها ما يسمى بـ”معادلة الردع”، التي اتبعتها فصائل الجيش خلال الفترة الأخيرة.
وتقوم هذه المعادلة، في صورتها الحالية، على جعل أي محاولة حوثية لتغيير خطوط المواجهة أو فرض واقع عسكري جديد على الأرض مكلفة عسكريًا، بحيث لا تتحول المبادرة الهجومية إلى مكاسب ميدانية مجانية.
وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، مؤخرًا هذا التوجه بقوله إن التصعيد الحوثي لن يغير معادلة القوة والردع، ولن يمنح جماعة الحوثيين أي مكاسب جديدة على الأرض، مشددًا على جاهزية القوات المسلحة وقدرتها على إفشال هجماتها وحماية المدنيين.
وبحسب مصادر حكومية، نفذ الطيران الحربي خلال اليومين الماضيين غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وآليات تابعة لمليشيا الحوثي في جبهات الساحل الغربي بمحافظتي تعز والحديدة.
كما أفادت مصادر إعلامية بسقوط عشرات القتلى الحوثيين، بينهم قيادات ميدانية مهمة، دون توفر إحصائية دقيقة.
وبصرف النظر عن الحصيلة النهائية للخسائر، يواجه الهجوم الحوثي كلفة ميدانية مرتفعة، وهو ما يضع قدرة الجماعة على تحقيق اختراقات مستدامة أمام اختبار حقيقي.
وتأتي المواجهات وسط تساؤلات عن أهداف كل طرف، خصوصًا أن موقع المعركة يمنحها أبعادًا تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.
ففي حين يرى مراقبون أن المليشيا الحوثية أرادت السيطرة على ساحل المخا وصولًا إلى مضيق باب المندب، باعتبار أن تحقيق ذلك سيمنحها ورقة ضغط استراتيجية، ليس فقط في مسار الحرب الداخلية، وإنما في أي صراع يرتبط بحركة الملاحة في المنطقة.
كما تبدو أهمية الساحل الغربي بالنسبة للحوثيين أكبر من مجرد مكسب عسكري جديد، إذ أن الاقتراب من باب المندب يعني الاقتراب من نقطة يمكن أن تتحول فيها الجغرافيا إلى أداة ضغط سياسي وعسكري.
وإلى ذلك، السيطرة على مضيق باب المندب تمثل مطلبًا إيرانيًا أيضًا، إذ بدأ الحوثيون تصعيدهم الأخير ضد السعودية والقوات الحكومية بعد أن لوحت إيران بأنها ستوجههم بإغلاق مضيق باب المندب في حال نفذت واشنطن تهديداتها بقصف منشآت الطاقة الإيرانية.
وفي المقابل، تخوض قوات الجيش المعركة بخيار يبدو أكثر وضوحًا، يتمثل في ضرورة انكسار الحوثيين وهزيمتهم، بعد سنوات من الصراع الذي أبقى خطوط المواجهة في حالة استنزاف مستمر.
وهنا تبرز أهمية المعركة الحالية؛ فإذا كانت معادلة الردع تعني منع الحوثيين من فرض مكاسب جديدة بالقوة، فإن استمرار المواجهة يفتح السؤال الأوسع: هل تبقى المعركة في إطار الردع، أم تتحول إلى مسار يقود إلى الحسم؟
هذا السؤال لا يرتبط فقط بنتائج المعارك الميدانية، وإنما أيضًا بقدرة كل طرف على تحمل كلفة المواجهة والاستمرار فيها. فالمليشيا الحوثية تسعى من خلال التصعيد إلى كسر واقع عسكري وسياسي قائم، بينما تحاول القوات الحكومية منعهم من تحقيق ذلك وتحويل الهجوم إلى خسائر تستنزف قدرتهم على المبادرة.
وخلال السنوات الأخيرة، بلغت الأوضاع المعيشية حد الاختناق في مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما دفعهم، من خلال هذه المعركة، إلى محاولة كسر حلقة التبرم المتزايد من الجوع وسوء الأوضاع في مناطق سيطرتهم.
وبالتالي، لا تبدو المعركة بالنسبة للحوثيين مجرد محاولة لتوسيع نطاق السيطرة الميدانية، بل محاولة أيضا لإعادة تحريك المشهد العسكري والسياسي لصالحهم، في وقت تواجه فيه مناطق سيطرتهم أزمات متراكمة.
لكن التداعيات الإنسانية الأسوأ، ظهرت كلفتها الأشد على المدنيين، وفي مقدمتها موجة النزوح الجديدة. وتؤكد مصادر محلية أن الوضع الإنساني في مديرية جبل حبشي غربي تعز كارثي للغاية.
وتقول مصادر ميدانية إن أسرًا غادرت مخيمات النزوح التي لجأت إليها في وقت سابق لتجد نفسها أمام نزوح جديد، فيما لم تتمكن معظمها من أخذ أي أمتعة، وهناك أسر فرت بنصف أفرادها.
وحسب مصدر محلي لـ”المصدر أونلاين”، نزحت نحو 600 أسرة من مناطق “المجش” و”المقصب” و”العقمة” شمال شرقي موزع، غربي تعز، مع اقتراب المعارك من مناطقهم.
كما تشهد مناطق واسعة من محافظتي تعز والحديدة نزوحًا قسريًا جماعيًا لعائلات بأكملها، واستهداف مناطق سكنية ومواقع كانت تؤوي نازحين أصلًا.
وأعلنت الأمم المتحدة نزوح نحو 1790 أسرة خلال يومين، على خلفية تصاعد القتال مع تصعيد عسكري وقصف متكرر طال مناطق مأهولة بالسكان ومخيمات للنازحين.
وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن تجدد الاشتباكات والقصف المدفعي منذ فجر الخميس في مناطق التماس بمديريتي مقبنة وجبل حبشي بمحافظة تعز تسبب في نزوح نحو 1790 أسرة، وسط استمرار حركة النزوح إلى مناطق أكثر أمنًا.
وأوضح المكتب أن غالبية الأسر النازحة انتقلت داخل مقبنة وجبل حبشي، فيما توجهت أسر أخرى إلى مديريات المعافر والشمايتين وموزع وذوباب. كما أدى التصعيد إلى إخلاء مواقع تجمعات النازحين، بينها “الحجب” و”الراجحي”، فيما لا تزال أسر عالقة قرب خطوط المواجهة بسبب القصف المستمر.
وفي السياق، أطلقت الحكومة اليمنية نداء استغاثة عاجلًا، محذرة من تدهور الوضع الإنساني جراء تجدد القتال والتصعيد في تعز والحديدة.
وقالت وزارة التخطيط والتعاون الدولي إن الهجمات طالت مناطق سكنية ومواقع لإيواء النازحين في عدد من المديريات، ما أدى إلى موجة نزوح قسري وإخلاء مدنيين من منازلهم.
وفي ظل ذلك، يبقى مسار المعركة مفتوحًا على أكثر من احتمال. فالمعطيات الميدانية تشير إلى استمرار القتال وارتفاع كلفة الهجوم الحوثي، فيما لا تزال الأهداف التي يمكن أن يحققها كل طرف غير محسومة.
لكن المؤكد أن المعركة الحالية تختبر أكثر من مجرد خطوط تماس جديدة؛ فهي تختبر فاعلية معادلة الردع نفسها، وما إذا كانت ستبقى أداة لمنع التقدم الحوثي، أم أنها ستتحول إلى نقطة انطلاق نحو معركة حسم أوسع.
هذا التوجه الأخير، يتوافق مع الزخم الشعبي الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يطالب بمعركة هدفها صنعاء، لا سيما مع توحد اليمنيين حول أهمية إنهاء هيمنة المليشيا على جزء من البلاد وما جلبته من ويلات.



