الحرب تطارد أبناء تعز.. نزوح قسري وخطاب إقصاء في المحافظات المجاورة!

لم تترك الحرب التي تعيشها محافظة تعز منذ سنوات أبناءها في مواجهة القصف والحصار وتدهور الأوضاع المعيشية فحسب، بل امتدت تداعياتها إلى تفاصيل حياتهم اليومية، ودفعت الكثير منهم إلى مغادرة منازلهم بحثًا عن الأمان والاستقرار في محافظات أخرى.
ومع استمرار التصعيد العسكري الذي تشهده المحافظة، وجد السكان أنفسهم أمام خيارات قاسية، بين البقاء تحت تهديد الحرب أو النزوح بما يحمله من أعباء نفسية ومعيشية واجتماعية.
لكن مغادرة تعز بالنسبة للكثير من النازحين، تصبح بداية رحلة أخرى من التحديات في المحافظات المجاورة، حيث يصطدم بعضهم بمظاهر التهميش والتمييز والخطابات الإقصائية التي تستحضر الانتماء المناطقي والجغرافي، وتجعل من أصولهم القادمة من شمال اليمن سببًا للتشكيك فيهم أو التضييق عليهم.
وبين مرارة النزوح وقسوة التعامل، يجد أبناء تعز أنفسهم عالقين بين حرب أجبرتهم على ترك ديارهم، وواقع جديد لا يخلو من العوائق التي تحول دون اندماجهم واستقرارهم. فبدلًا من أن تكون المحافظات التي لجأوا إليها ملاذًا آمنًا يخفف عنهم آثار الصراع، يواجه بعضهم تحديات إضافية تمس شعورهم بالانتماء وحقهم في العيش بكرامة وأمان، بعيدًا عن التصنيفات السياسية والمناطقية.
وتفتح هذه المعاناة الباب أمام تساؤلات بشأن أوضاع النازحين من أبناء تعز في المحافظات المجاورة، وحجم ما يتعرضون له من تمييز ، وانعكاسات الخطاب المناطقي على حياتهم وفرص استقرارهم، في وقت يفترض فيه أن تتقدم الاعتبارات الإنسانية وحقوق المواطنين على أي انتماءات جغرافية أو حسابات سياسية.
المعاناة لا ينتهي عند الوصول إلى الأمان
عمر حيدر، أحد النازحين من مدينة المخا بمحافظة تعز، يبلغ من العمر 40 عامًا، وهو أب لخمسة أبناء، يتحدث لـ”المهرية نت” عن معاناته في النزوح إلى مدينة عدن بقوله” اضطررت للنزوح إلى مدينة عدن بحثًا عن الأمان، إلا أن رحلتي لم تنتهِ عند الوصول إلى بوابة المدينة، فقد تم إيقافي وأسرتي قبل دخول عدن بحجة التحقيق “.
وأوضح حيدر أنه اقتيد إلى مقر النقطة بغرض التحقيق بينما بقيت زوجته مع أطفاله في السيارة ليوم كامل، وسط حالة من الخوف والقلق، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة وقت الظهيرة، مشيرًا إلى أن التحقيق تركز حول الاشتباه في انتمائهم للحوثيين، أو لمجرد كونهم قادمين من مناطق شمالية بحسب قوله.
وأضاف أن الموقف كان قاسيًا عليه نفسيًا، إذ كان منشغلًا طوال فترة التحقيق بمصير أطفاله، وما إذا كانوا بخير داخل السيارة، خصوصًا أنهم كانوا قد خرجوا من المخا في ظروف شديدة الخطورة، وسط إطلاق الرصاص والقذائف، الأمر الذي زاد من خوف الأسرة وإرهاقها النفسي أثناء رحلة النزوح.
وأشار حيدر إلى أن أسرته كانت تستنجد للوصول إلى بر الأمان، لكنها وجدت نفسها معلقة لساعات طويلة عند بوابة عدن، بدلًا من أن تجد الحماية والأمان الذي كانت تبحث عنه بعد رحلة نزوح محفوفة بالخوف.
وبعد انتهاء التحقيق، الذي استمر يومًا كاملًا، تمكنت الأسرة من دخول مدينة عدن والانتقال إلى منزل أحد أقاربها، لكنها لا تزال، بعد أكثر من شهر، تقيم لدى أقاربها ولم تتمكن من الحصول على سكن يتناسب مع ظروفها المعيشية نتيجة غلاء أسعار الإيجارات في العاصمة المؤقتة واستغلال بعض أصحاب البيوت لحاجة النازحين للسكن.
ولفت حيدر إلى أن معاناة النازحين لا تقتصر على ظروف الحرب والنزوح، بل تمتد أحيانًا إلى نظرة بعض الأشخاص إليهم، مشيرًا إلى تعرضه وبعض النازحين من أبناء تعز لمظاهر من التمييز والعنصرية من قبل بعض الأفراد، من خلال التعامل معهم على أساس انتمائهم المناطقي ووصفهم بأنهم “شماليون”، مؤكدًا أن ذلك لا ينطبق على جميع أبناء عدن، وإنما على فئة محدودة منهم.
التمييز يضاعف معاناة النازحين
في السياق، قالت الصحفية إجلال البيل، المهتمة بالشؤون الإنسانية وقضايا النزوح، إن النازحين لم يغادروا مناطقهم اختيارًا، وإنما دفعتهم الحرب إلى البحث عن الأمان، مشددة على ضرورة عدم تعرضهم للتمييز في مناطق نزوحهم بسبب انتمائهم الجغرافي، أو تحميلهم مسؤولية صراعات لم يختاروها.
وأضافت البيل، في تصريح لـ”المهرية نت” أن النازح الذي فر من الحرب بحثًا عن الأمان لا ينبغي أن يجد نفسه في مواجهة الخوف والتمييز من جديد، مؤكدة أن الواجب يقتضي احتضان النازحين، وحماية حقوقهم، والتصدي لخطاب الكراهية والإقصاء.
وشدّدت على أن الإجراءات الأمنية المشروعة يجب أن تستند إلى مبررات موضوعية، وأن تُطبّق وفقًا للقانون، موضحة أن استهداف النازحين أو تقييد حركتهم بسبب مناطقهم أو أصولهم الجغرافية يمثل شكلًا من أشكال التمييز الذي لا تبرره الاعتبارات الأمنية، ولا يجوز معه التعامل مع النازحين باعتبارهم موضع شبهة لمجرد قدومهم من مناطق تشهد صراعًا.
حماية النازحين مسؤولية مشتركة
وأكدت البيل أن السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية تتحمل مسؤولية الاستجابة السريعة لاحتياجات النازحين الجدد، وضمان حصولهم على الخدمات الأساسية دون تمييز، إلى جانب تعزيز آليات الحماية ورصد الممارسات الإقصائية والتعامل معها بمسؤولية وحزم، بما يضمن صون حقوق النازحين وكرامتهم.
وأشارت إلى أن احتياجات النازحين لا تقتصر على توفير المأوى الآمن والخدمات الأساسية بصورة عاجلة، بل تشمل أيضًا توفير فرص لكسب العيش في مرحلة لاحقة، بعد تأمين احتياجاتهم الأساسية، فضلًا عن ضمان استمرار تعليم أبنائهم، ومساعدتهم في استخراج الوثائق الثبوتية التي فقدوها أثناء النزوح.
ولفتت إلى أهمية توفير الحماية للنازحين من الاستغلال والتمييز، من خلال إنشاء آليات للرصد والشكاوى والإبلاغ عن الانتهاكات المحتملة، داعية المنظمات الإنسانية إلى متابعة مخاطر الحماية، وتقديم الاستشارات القانونية، وإحالة الحالات إلى الجهات المختصة، مع ضمان سرية بيانات المتضررين وحماية خصوصيتهم.
التمييز انتهاك لمبدأ المساواة
بدوره قال المحامي والناشط الحقوقي، عبد الرحمن برمان، إن التمييز ضد النازحين من أبناء تعز أو من أي منطقة يمنية أخرى على أساس انتمائهم الجغرافي أو أصولهم المناطقية، يمثل مساسًا بمبدأ المساواة وعدم التمييز، ويتعارض مع الحقوق الأساسية التي يجب أن يتمتع بها كل مواطن يمني، بصرف النظر عن منطقته أو خلفيته الاجتماعية أو انتمائه السياسي أو المذهبي أو الديني.
وأضاف برمان، في تصريح لـ” المهرية نت”، أن النزوح القسري لا يسقط حقوق الإنسان ولا ينتقص من صفة المواطنة، بل يجعل النازحين أكثر حاجة إلى الحماية والرعاية، باعتبارهم من الفئات الأكثر ضعفًا، بعد أن يفقدوا أماكن سكنهم ومنازلهم وممتلكاتهم مشددًا على ضرورة مضاعفة جهود الجهات الرسمية والمجتمع المدني والمجتمع عمومًا لتوفير الحماية اللازمة لهم.
وأوضح أن تحويل الانتماء المناطقي إلى معيار للقبول أو الرفض، أو وسيلة للتضييق على النازحين في السكن والعمل والتنقل والحصول على الخدمات، بما فيها التعليم والرعاية الصحية، أمر لا يمكن تبريره بالظروف السياسية أو الأمنية.
وأكد برمان أن أي تدابير أمنية يجب أن تستند إلى أسباب قانونية محددة، لا إلى الهوية الجغرافية أو الاشتباه الجماعي بأبناء منطقة بعينها، مشددًا على أنه لا يجوز إخضاع النازحين لإجراءات مبنية على انتمائهم المناطقي، أو ترك هذه المسائل لاجتهادات الأفراد والمسؤولين الأمنيين.
ولفت إلى ضرورة أن تضبط القوانين هذه الإجراءات، وأن تضطلع السلطات الرسمية والإدارية والقضائية بمسؤولياتها في مراجعة الممارسات المخالفة، ومعالجة أي انتهاكات ومحاسبة مرتكبيها.
ودعا برمان السلطات المحلية والأجهزة الأمنية في عدن والمحافظات الأخرى التي وصل إليها النازحون، سواء من مناطق الساحل أو من مديريات تعز، إلى التصدي لخطاب الكراهية والتحريض المناطقي، والتحقيق في الشكاوى المتعلقة بالتمييز أو التهديد أو الاعتداء، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
كما دعا المتضررين إلى توثيق الوقائع التي يتعرضون لها، وتقديم الشكاوى إلى النيابة العامة والأجهزة الأمنية، وإبلاغ المنظمات الحقوقية المتخصصة لتوثيق الانتهاكات ومساندة المتضررين، مؤكدًا أهمية توفير الحماية لهم من أي أعمال انتقامية قد يتعرضون لها نتيجة تقديم البلاغات.
واختتم برمان بالتأكيد على أن المواطنة المتساوية حق لكل يمني، مشددًا على أنه لا يجوز أن تتحول معاناة النزوح إلى عقوبة إضافية يدفع ثمنها أشخاص فقدوا موطنهم وممتلكاتهم ومنازلهم، وخسروا ما كانوا ينعمون به من سكينة وأمان.



