الغارديان: تعز المحاصرة تقترب من كارثة إنسانية مع نفاد الغذاء والمياه والوقود

حذّر موظفو الإغاثة التابعون لمنظمة «أوكسفام» في اليمن من أن الأزمة الإنسانية في مدينة تعز المحاصرة باتت تقترب من مرحلة «الخروج عن السيطرة»، مع نفاد المياه والوقود والغذاء الطازج، وتفاقم نقص الأدوية والإمدادات الأساسية، في ظل استمرار الحصار الذي تفرضه مليشيات الحوثي المدعومة من إيران على المدينة.
وقالت صحيفة «الغارديان» البريطانية، في تقرير نشرته الأربعاء، إن قوات الحوثيين تحاصر مدينة يزيد عدد سكانها على 900 ألف نسمة، بعدما قطعت معظم طرق الإمداد، فيما شهدت المدينة خلال الأسبوع الجاري معارك عنيفة في محيط مطارها القديم، تسببت بأضرار جسيمة في منطقة سكنية مكتظة بالسكان.
ونقلت الصحيفة عن فاطمة جعفر، مديرة المناصرة في منظمة «أوكسفام» باليمن، قولها إن موظفي المنظمة المحليين وصفوا الوضع بأنه حصار شبه كامل، مع إغلاق جميع المداخل الرئيسية، واستمرار الاشتباكات وسقوط ضحايا، وتراجع الإمدادات إلى مستويات شحيحة للغاية.
وأضافت جعفر أن السكان باتوا عاجزين عن شراء الطعام حتى مع امتلاكهم المال، بسبب نقص السلع في الأسواق، مشيرة إلى أن الوقود لم يدخل تعز منذ أسبوعين أو ثلاثة، وأن الحصول على مياه الشرب أصبح مشكلة كبيرة، حتى بالنسبة إلى موظفي المنظمة.
وحذرت من أن المستشفيات تعاني نقصًا حادًا في الأدوية، ما يتسبب في وفاة كثيرين، فيما يواجه المصابون جراء القصف بالصواريخ صعوبات في الإجلاء من المدينة بسبب الحصار الذي يعيق نقلهم إلى أماكن آمنة وتلقي العلاج اللازم.
وقالت إن السكان باتوا يبحثون عن الفواكه الطازجة دون أن يجدوها، في حين أصبحت السلع الأساسية غير متوفرة في الأسواق، وتراكمت القمامة بسبب تعذر نقلها إلى خارج المدينة، الأمر الذي يثير مخاوف من انتشار أمراض، بينها الكوليرا، إذا استمر الوضع على حاله.
وأضافت أن استمرار إغلاق مداخل المدينة ومنع وصول الإمدادات قد يؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية جراء القصف والجوع والأمراض الناجمة عن نقص المياه، مؤكدة أن الوضع الإنساني كان سيئًا حتى قبل التصعيد الأخير، لكنه أصبح الآن خارجًا عن السيطرة.
ارتفاع جنوني في الأسعار ونفاد الغذاء
وأفاد تقرير «الغارديان» بأن أسعار السلع الأساسية ارتفعت بصورة حادة، موضحًا أن سعر عبوة البنزين سعة 20 لترًا، التي كانت تباع بنحو 20 دولارًا قبل الأزمة، وصل إلى 80 دولارًا في السوق السوداء، فيما تضاعفت أسعار البطاطس.
كما نقل التقرير عن برنامج الأغذية العالمي أن مخزون دقيق القمح في المدينة أوشك على النفاد بحلول منتصف أكتوبر الجاري، في مؤشر على خطورة الوضع الغذائي الذي يواجه السكان مع استمرار إغلاق طرق الإمداد.
وفي مواجهة التدهور الإنساني، دعت الأمم المتحدة إلى السماح للعاملين في المجال الإنساني بالوصول إلى تعز، فيما طالبت منظمة «أوكسفام» المملكة المتحدة بتقديم مساعدات إنسانية إضافية لليمن.
وأشارت المنظمة إلى أنها اضطرت إلى تحويل مواردها المحدودة من برامج التنمية إلى الاستجابة الإنسانية الطارئة، بما في ذلك تقديم التحويلات النقدية لمساعدة المتضررين.
من جانبها، قالت منظمة «هالو تراست»، التي تعد أكبر منظمة إنسانية متخصصة في إزالة الألغام الأرضية في العالم، إن 30 من موظفيها موجودون ضمن مئات الآلاف من المدنيين المحاصرين داخل المدينة.
تراجع التمويل
وسلطت الصحيفة الضوء على تراجع التمويل الدولي المخصص للاستجابة الإنسانية في اليمن، مشيرة إلى أن المملكة المتحدة خصصت 104 ملايين جنيه إسترليني للمساعدات خلال السنوات الثلاث المقبلة، مقارنة بنحو 196 مليون جنيه إسترليني في عام 2020.
كما تراجعت المساعدات الأمريكية المقدمة لليمن بصورة كبيرة، فيما خفضت ألمانيا، وهي إحدى الجهات المانحة الرئيسية، برنامج مساعداتها إلى النصف.
وبحسب التقرير، لم يقدم المانحون سوى 23% من التمويل المطلوب لبرنامج الأمم المتحدة للإغاثة الإنسانية في اليمن خلال العام الجاري، الأمر الذي يزيد الضغوط على الجهات المانحة الأخرى، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، للمساهمة في سد العجز، رغم الأعباء المالية التي تواجهها المملكة بسبب تكاليف الحرب.
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى أن طلب ميزانية وزارة الخارجية الأمريكية للسنة المالية 2027، المقدم إلى الكونغرس في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، لم يتضمن أي مساعدات اقتصادية أو تنموية مخصصة لليمن، مقارنة بنحو 760 مليون دولار قدمتها الولايات المتحدة مساعدات إجمالية للبلاد خلال السنة الأخيرة من إدارة الرئيس السابق جو بايدن.
وأشارت «الغارديان» إلى أن تركيز الحوثيين على تعز يعكس الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها المدينة، لكنها لفتت إلى أن مستوى المقاومة داخلها قد يستنزف موارد الجماعة، بما قد يضعف قدرتها على الرد في مناطق أخرى.
ويأتي ذلك في ظل استمرار المواجهات الميدانية، بالتزامن مع تدهور الأوضاع الإنسانية وتصاعد المخاوف من تداعيات الحصار على مئات الآلاف من السكان.
ورغم استمرار الدبلوماسيين الأمميين في الوساطة بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، لا توجد مؤشرات واضحة على استعداد الطرفين لوقف إطلاق النار، فضلًا عن التوصل إلى تسوية سياسية طويلة الأمد.
ويحذر التقرير من أن استمرار الحصار بالتزامن مع تراجع المساعدات الدولية ونقص التمويل الإنساني قد يدفع الأزمة في تعز إلى مستويات أشد خطورة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الغذاء والمياه والوقود والأدوية، وتتعطل فيه قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتفاقمة للسكان.



