تحركات دبلوماسية في مسقط تواكب التفاهمات الأمريكية الإيرانية وسط آمال بانعكاسات إيجابية على اليمن

عادت العاصمة العُمانية مسقط إلى واجهة التحركات الدبلوماسية الإقليمية، مع استقبالها وفداً إيرانياً ولقائه السلطان هيثم بن طارق، في زيارة عكست استمرار الدور العُماني في جهود الوساطة الرامية إلى خفض التوترات في المنطقة.
وتزامنت الزيارة مع تطورات متسارعة في مسار التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، بالتوازي مع تقدم المفاوضات الجارية في سويسرا، فيما أكد البيان العُماني الإيراني المشترك دعم مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران، والتزام الجانبين بالحفاظ على أمن الملاحة في مضيق هرمز ومواصلة الحوار بما يعزز الاستقرار الإقليمي.
وشدد الجانبان، وفق البيان، على ضرورة احترام سيادة سلطنة عُمان وإيران في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بإدارة مضيق هرمز، واتفقا على مواصلة المشاورات عبر فريق عمل مشترك لبحث آليات الإدارة المستقبلية للمضيق.
وعلى الصعيد الميداني، أظهرت بيانات الملاحة البحرية مؤشرات على تراجع المخاوف المرتبطة بأمن الممرات البحرية، إذ سجل مضيق هرمز، الاثنين، أعلى معدل لعبور السفن منذ اندلاع الحرب، بمرور 36 سفينة، في مؤشر اعتبره مراقبون انعكاساً لتحسن مستوى الثقة بأمن الملاحة.
ويرى متابعون أن أي تقدم في مسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية قد ينعكس إيجاباً على عدد من ملفات المنطقة، وفي مقدمتها الملف اليمني، من خلال تعزيز فرص التسوية السياسية وخفض احتمالات التصعيد العسكري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
في المقابل، تواصل إسرائيل إبداء تحفظها إزاء مسار التفاهمات الجارية، بالتزامن مع استمرار عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، وسط مخاوف من تأثير أي تسويات جديدة على هامش تحركاتها الإقليمية.
ورغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال التفاهمات الحالية في مرحلة أولية، فيما يبقى نجاحها مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على تحويلها إلى اتفاقات أكثر شمولاً واستدامة.
التفاهمات تمثل مرحلة أولية لاختبار النوايا
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي الدكتور علي الهيل إن ما جرى التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال في إطار “مذكرة تفاهم” تتضمن مبادئ عامة واختباراً لنوايا الأطراف المعنية.
وأضاف، في تصريحات لبرنامج “التاسعة” على قناة المهرية، أن الاتفاق يمثل خطوة أولية تمهد لمزيد من التفاهمات بين الجانبين بوساطة قطرية وباكستانية.
وأشار الهيل إلى أن قطر لعبت دوراً مهماً في صياغة مذكرة التفاهم، معتبراً أن ذلك أسهم في الحد من توجهات اليمين الإسرائيلي المتشدد داخل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحلفائه في الولايات المتحدة.
وقال إن الحديث عن مشاريع مثل “الشرق الأوسط الجديد” و”إسرائيل الكبرى” لم يعد يحظى بالزخم نفسه الذي كان عليه في السابق، معتبراً ذلك مؤشراً على نجاح المسارات الدبلوماسية في مواجهة توجهات التصعيد.
ولفت إلى أن العلاقات بين الدوحة وتل أبيب شهدت توتراً خلال الفترة الماضية، موضحاً أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدخل لاحتواء الخلافات، فيما كان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قد حذر من مخاطر توسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.
كما استشهد الهيل بتصريحات الباحث الأمريكي جون ميرشايمر، التي حذر فيها من احتمالية لجوء رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى خيارات تصعيدية بعد تعثر تحقيق أهدافه تجاه إيران، مؤكداً أن تلك التحذيرات تعكس تنامي القلق داخل الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية من تداعيات استمرار المواجهة بين الجانبين.
وأكد أن الجهود الدبلوماسية والوساطات الإقليمية تظل الخيار الأكثر فاعلية لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهات أوسع وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار.
عُمان ركيزة للسلام واليمن أمام مرحلة حساسة
من جانبه، قال رئيس منتدى السلام عادل الحسني إن سلطنة عُمان تمثل “ركيزة السلام في المنطقة”، مشيراً إلى أن معظم نتائج الوساطات والتحركات الدبلوماسية خلال السنوات الأخيرة استندت إلى تفاهمات جرى التوصل إليها في مسقط.
وأضاف، في تصريحات للبرنامج ذاته، أن الأطراف المعنية عادت في نهاية المطاف إلى ما تم الاتفاق عليه في العاصمة العُمانية، مؤكداً أن المفاوض الإيراني أبلغ المسؤولين العُمانيين بأن الاتفاق النهائي لم يخرج عن إطار التفاهمات السابقة التي جرى التوصل إليها هناك.
وفيما يتعلق بالملف اليمني، حذر الحسني من تصاعد التوترات، مشيراً إلى أن استمرار القضايا العالقة دون معالجة خلال الفترة المقبلة قد يفتح الباب أمام عودة المواجهات العسكرية.
وقال إن حالة “اللاحرب واللاسلم” أرهقت اليمنيين وأثقلت كاهلهم، في ظل استمرار الحصار والانقسام والتحديات الاقتصادية والإنسانية، مؤكداً أن مختلف الأطراف دفعت ثمن استمرار الأزمة.
وعزا تعثر بعض الملفات الإنسانية، ومنها ملف الأسرى، إلى تعقيدات المشهد اليمني، رغم الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة وسلطنة عُمان، مؤكداً أن الوضع الإنساني في البلاد وصل إلى مستويات وصفها بـ”الكارثية”.
ودعا الحسني السلطات في صنعاء إلى الاضطلاع بمسؤولياتها تجاه السكان وتوفير الخدمات الأساسية، محذراً من أن استمرار الأوضاع الراهنة دون حلول سياسية واقتصادية وإنسانية حقيقية سيؤدي إلى مزيد من المعاناة والتصعيد.
وأكد أن اليمن يقف أمام مرحلة حساسة تتطلب تحركات عاجلة لتجنب تفاقم الأزمة وتهيئة الظروف أمام تسوية شاملة ومستدامة.



