أخبار اليمن

المسيّرات تدخل خط المواجهة.. هل يتغير ميزان القوة بين الجيش والحوثيين؟

يكشف التصعيد المتزايد على جبهات القتال اليمنية عن تحول لافت في طبيعة المواجهة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين، مع إعلان الجيش التابع للحكومة إدخال وحدات من الطائرات المسيّرة إلى الخدمة العملياتية، بالتزامن مع نشر مشاهد لضربات جوية استهدفت مواقع وآليات وتحركات حوثية في عدد من الجبهات.

ويفتح هذا التطور الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع، لا سيما أن الطائرات المسيّرة كانت خلال السنوات الماضية إحدى أبرز أدوات التفوق العملياتي للحوثيين، سواء في الاستطلاع أو تنفيذ الهجمات، فيما ظلت القوات الحكومية محدودة القدرات في هذا المجال.

لواءان للمسيّرات

وفي أحدث مؤشر على هذا التحول، كشف مساعد وزير الدفاع اليمني اللواء سمير الصبري، في تصريحات لقناة “الحدث” السعودية، أن القوات المسلحة أدخلت لواءين للطيران المسيّر إلى الخدمة المباشرة، مشيراً إلى أن القوات وصلت إلى “جاهزية جيدة” من حيث التسليح.

وقال الصبري إن هناك جبهات جديدة ستفتح في مناطق تقع ضمن نطاق نفوذ الحوثيين، مؤكداً امتلاك القوات الحكومية قدرة بشرية كبيرة ومدربة، ومشيراً إلى أن جبهات مأرب تشهد سخونة متزايدة وأن القوات باتت مستعدة لأي اختراق.

وأضاف أن خسائر الحوثيين في الجبهات، خصوصاً مأرب وتعز، باتت كبيرة، في تصريحات تعكس، وفق مراقبين، انتقال الخطاب العسكري الحكومي من الدفاع واحتواء الهجمات إلى التلويح بقدرات هجومية جديدة.

من الدفاع إلى الضربات الجوية

ولا يبدو الحديث عن المسيّرات منفصلاً عن مشاهد بدأت القوات الحكومية بنشرها خلال الأيام الماضية، وتظهر تنفيذ ضربات استهدفت مواقع وتجمعات وآليات تابعة للحوثيين في مأرب والجوف وتعز وحجة والضالع وشبوة والبيضاء والحديدة وصعدة.

وتشير طبيعة بعض المقاطع المنشورة إلى أن استخدام المسيّرات لم يعد مقتصراً على الاستطلاع، وإنما بات يشمل استهداف أهداف عسكرية متحركة وثابتة، بما يسمح بنقل المعركة من خطوط التماس المباشرة إلى العمق التكتيكي للخصم.

ويأتي ذلك بعد إعلان وزير الدفاع اليمني، طاهر العقيلي، إدخال منظومات للطائرات المسيّرة ومعدات للتصنيع الحربي المحلي ضمن منظومة تسليح القوات المسلحة.

وقد كشفت وزارة الدفاع عن نماذج مختلفة من الطائرات المسيرة ما بين استطلاعية للرصد وأخرى هجومية وانتحارية وأطلق اسما “عيبان” و”نقم” على نماذج من هذه المنظومة التي أدخلت في الخدمة لقوات الجيش الحكومية.

وتزامن هذا التطور مع خطوات لإعادة بناء القدرات الجوية للقوات الحكومية، كان من أبرزها تخريج 1400 ضابط من كلية الطيران والدفاع الجوي في مأرب في مايو الماضي، في الدفعة الـ34، وهي أول دفعة تتخرج من الكلية بعد استئناف نشاطها في يوليو 2023.

ويرى متابعون أن إعادة تفعيل مؤسسات التدريب العسكري، إلى جانب إدخال المسيّرات إلى الخدمة، تعكس محاولة لبناء قدرات جوية وتكنولوجية تتناسب مع طبيعة الحرب القادمة ضد جماعة الحوثيين، بعد سنوات ظل فيها الحوثيون يمتلكون أفضلية واضحة في استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ.

الحوثيون يشككون وضابط يؤكد

في المقابل، سارع القيادي الحوثي نصر الدين عامر إلى التشكيك في صحة المقاطع التي تنشرها القوات الحكومية، معتبراً أنها جزء من “حرب نفسية” تهدف إلى تضخيم صورة التصعيد العسكري وإيهام الرأي العام بوجود تحول ميداني كبير.

وقال عامر إن المقاطع المتداولة مرتبطة بالإعلام السعودي، نافياً أن تعكس حقيقة التطورات على الأرض.

وفي حديث لـ”المهرية نت”، قال ضابط طيار من خريجي الدفعة الـ34 في مأرب، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن القوات الحكومية تمتلك أنواعاً من الطائرات المسيّرة لم تُستخدم بعد في العمليات المعلنة، مشيراً إلى أن ما ظهر في المقاطع الأخيرة لا يمثل، بحسب قوله، كامل القدرات المتاحة.

وأضاف أن القوات تجري تدريبات واختبارات على خطوط التماس، وأن استخدام بعض المنظومات النوعية، وفق تقديره، قد يرتبط بقرار عسكري أوسع في حال اندلاع مواجهة شاملة.

وبحسب الضابط، فإن المسيّرات المستخدمة حالياً أسهمت في رفع قدرات الاستطلاع والاستخبارات التكتيكية وتحديد الأهداف، معتبراً أن تطور هذا الجانب يمكن أن يمنح القوات الحكومية قدرة أكبر على مراقبة تحركات الحوثيين وتوجيه ضربات أكثر دقة.

وفي تطور أكثر تحديداً، أعلنت القوات المسلحة اليمنية السبت الماضي للمرة الأولى إدخال طائرات مسيّرة انتحارية موجهة بتقنية FPV إلى الخدمة الميدانية.

ونشر المركز الإعلامي للقوات المسلحة مشاهد قال إنها توثق تعقب طائرة مسيّرة لآلية حوثية متحركة واستهدافها، في عملية تعتمد على البث المرئي المباشر الذي يتيح للمشغل توجيه الطائرة حتى لحظة الإصابة.

وتكتسب مسيّرات FPV أهمية خاصة في البيئة اليمنية، نظراً إلى انتشار التضاريس الجبلية والمساحات المفتوحة، فضلاً عن انخفاض كلفة تصنيعها وتشغيلها مقارنة بالوسائل الجوية التقليدية.

ويشير متخصصون عسكريون إلى أن مسيّرات FPV تمنح المشغل قدرة عالية على اختيار نقطة الإصابة، خصوصاً ضد المركبات والتحصينات والمواقع القريبة من خطوط المواجهة، مع إمكانية استخدامها بتكلفة أقل من الأسلحة الجوية التقليدية.

١٨١ عملية خلال 24 ساعة

وفي مؤشر على ارتفاع وتيرة العمليات، أعلنت القوات المسلحة اليمنية، الأحد، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال 24 ساعة ضد مواقع ومصادر تهديد حوثية على امتداد خطوط التماس.

وقالت القوات الحكومية إن العمليات أسفرت عن تدمير عشرات المعدات والآليات ومخازن الأسلحة، إضافة إلى مقتل وإصابة عشرات العناصر الحوثية، دون تقديم تفاصيل مستقلة يمكن من خلالها التحقق من حجم الخسائر.

وأكدت القوات أن وحداتها نفذت مهامها بكفاءة وانضباط، مشيرة إلى أنها في أعلى درجات الجاهزية لفرض ما وصفته بـ«المعادلة الميدانية».

وأضافت أن لديها القدرة على الوصول إلى مصادر التهديد الحوثية وتحييدها، في خطاب يعكس انتقالاً من التركيز على الدفاع واحتواء الهجمات إلى التأكيد على امتلاك قدرة هجومية واستباقية.

تغير في ميزان الردع

وفي قراءة للتطورات الأخيرة، يرى المحلل السياسي الدكتور عادل المسني أن القوات المسلحة اليمنية حققت تقدماً في مستوى الردع، بالتزامن مع ما وصفه بـ«انكسار كبير» في صفوف جماعة الحوثيين، مشيراً إلى اتساع نطاق العمليات الحكومية على مختلف خطوط التماس.

وقال المسني، في تصريح لبرنامج «التاسعة» على قناة «المهرية»، إن الحوثيين ظلوا يقدمون أنفسهم لأنصارهم باعتبارهم قوة قادرة على مواجهة قوى إقليمية ودولية، لكن التطورات الميدانية الأخيرة، بحسب تقديره، أظهرت تراجعاً في قدرتهم على تحقيق اختراقات برية.

وأشار إلى أن فشل الجماعة في استعادة مفرق البرح أو تحقيق تقدم ميداني خلال أسبوع من المواجهات يعكس، وفق قراءته، تراجعاً في المبادرة الهجومية، خصوصاً مع دخول القوات الحكومية المعركة بقدرات عسكرية جديدة.

ولفت المسني إلى أن الطائرات المسيّرة أصبحت حاضرة في جبهات تعز ومأرب وشبوة، مع إعلان وزارة الدفاع وجود لواءين للمسيّرات ضمن الخدمة، معتبراً أن ذلك يمثل تحولاً مهماً في ميزان القدرات الجوية التكتيكية.

وبحسب المسني، فإن التفوق الذي امتلكه الحوثيون في مجال المسيّرات والصواريخ خلال مراحل سابقة من الحرب لم يعد حكراً عليهم، في ظل امتلاك القوات الحكومية منظومات متنوعة من المسيّرات، بينها المسيّرات المجنحة والانقضاضية.

ويرى المسني أن امتلاك السلاح لا يُقاس بقدرته على إحداث أضرار فحسب، وإنما بمدى قدرته على تحقيق مكاسب عملياتية وتغيير خريطة السيطرة على الأرض.

وفي هذا السياق، رفض اعتبار استهداف ميناء المخا وإخراجه عن الخدمة إنجازاً عسكرياً، مشدداً على أن الميناء منشأة مدنية وأن استهدافه ينعكس على السكان والاقتصاد اليمني.

وأضاف أن الاختبار الحقيقي للقدرات الحوثية كان يتمثل في تحقيق اختراق داخل الجبهات العسكرية في مأرب أو تعز أو شبوة أو البيضاء وفرض واقع ميداني جديد، بدلاً من استهداف الموانئ والأحياء المدنية ومناطق النازحين.

ويربط المسني بين تكثيف الهجمات على الأعيان المدنية، وبين ما يعتبره عجزاً عن تحقيق تقدم بري حاسم، معتبراً أن انتقال الحوثيين إلى استهداف المدن والموانئ يعكس، من وجهة نظره، صعوبة تحويل قدراتهم الصاروخية والمسيّرة إلى مكاسب عسكرية مباشرة على الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى