عام دراسي جديد يصطدم بأعباء معيشية ومخاوف تداعيات التصعيد العسكري

يحل العام الدراسي الجديد في اليمن، في وقت تواجه فيه الأسر ظروفًا معيشية واقتصادية بالغة الصعوبة، بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب، بالتزامن مع تجدد المخاوف من انعكاسات التصعيد العسكري الأخير على العملية التعليمية، خصوصًا في المناطق القريبة من خطوط التماس.
وتستقبل الأسر العام الدراسي بقائمة طويلة من الاحتياجات، تبدأ بالزي المدرسي والحقائب والدفاتر والأدوات التعليمية، ولا تنتهي عند تكاليف المواصلات وغيرها من المصاريف المرتبطة بالدراسة. ومع ارتفاع أسعار السلع الأساسية ومحدودية مصادر الدخل، بات توفير هذه المتطلبات يشكل عبئًا إضافيًا على كثير من العائلات.
وفي ظل تراجع القدرة الشرائية، تجد أسر نفسها أمام خيارات صعبة بين توفير احتياجات المعيشة الأساسية والحفاظ على انتظام أبنائها في التعليم.
بين الغذاء والتعليم
ومع عودة الطلاب إلى الفصول، تجد الأسر نفسها أمام تحديين متزامنين: تأمين متطلبات الحياة اليومية، والحفاظ على استمرار أبنائها في التعليم.
بهذا الشأن، يقول المواطن علي قائد، البالغ من العمر 46 عامًا، إن عودة التعليم هذا العام تأتي في وقت تعاني فيه الأسر اليمنية أوضاعًا معيشية صعبة، مع تراجع قدرتها الشرائية جراء تداعيات الحرب المستمرة في البلاد منذ أحد عشر عامًا.
وأضاف لـ”المهرية نت” أن:” الأسر تضطر إلى ترتيب احتياجاتها بحسب الأولوية، مشيرًا إلى أن توفير الغذاء والدواء والإيجار يأتي في كثير من الأحيان قبل شراء المستلزمات المدرسية، خصوصًا لدى الأسر محدودة الدخل”.
ويرى قائد أن التعليم في المدارس الحكومية أصبح متدهورًا نتيجة نقص الكادر التعليمي المؤهل وغياب الكتاب المدرسي، إلى جانب استمرار تسرب عدد من الطلاب وعدم انتظامهم في الدراسة.
ولفت إلى أن تراجع فرص العمل وضعف مصادر الدخل جعلا كثيرًا من الأسر أكثر انشغالًا بتوفير احتياجاتها الأساسية، الأمر الذي ينعكس على قدرتها على تحمل نفقات تعليم أبنائها.
وأردف” هذه الظروف تدفع بعض الأسر إلى شراء المستلزمات المستعملة أو الاكتفاء بجزء منها، بينما تضطر أسر أخرى إلى تأجيل شراء بعض الاحتياجات إلى ما بعد بدء الدراسة، أملًا في تحسن أوضاعها المالية”.
كلفة التعليم الخاص
في المقابل، تواجه المدارس الأهلية تحدياتها الخاصة، في ظل ارتفاع الرسوم الدراسية وتراجع قدرة الأسر على تحملها، بالتوازي مع محدودية أجور المعلمين.
تقول أم سماء، 31 عامًا، وهي معلمة في إحدى المدارس الأهلية بمدينة تعز، إن المدارس الأهلية تتميز بتوفر الكتاب المدرسي والكادر التعليمي، إلى جانب متابعة الطلاب والاهتمام بهم، لكنها تشير في الوقت ذاته إلى ارتفاع تكاليف الدراسة بالنسبة للأسر.
وأوضحت لـ”المهرية نت”. أن:” الرسوم الدراسية في المدرسة لا تزال عند مستويات العام الماضي، في حين لم يطرأ أي تحسن على أجور المعلمين، التي تتراوح، بحسب قولها، بين 30 و40 ألف ريال”.
وأشارت إلى أن” أعداد الطلاب الملتحقين بالمدارس الأهلية تراجعت، خصوصًا في الصفوف من السابع إلى التاسع، موضحة أن عدد الطلاب في بعض الفصول لا يتجاوز 15 إلى 20 طالبًا، بسبب الرسوم الدراسية التي تزيد بين صف وآخر بنحو 10 إلى 20 ألف ريال”.
وتابعت أن” المدرسة التي تعمل فيها قدمت لها تخفيضًا بنسبة 50% من الرسوم الدراسية لابنتها الوحيدة، التي تدرس حاليًا في الصف الثاني الأساسي، وهو ما خفف عنها جزءًا من أعباء التعليم”.
مخاوف التصعيد
ولا تقتصر التحديات التي ترافق بداية العام الدراسي على الجانب الاقتصادي، إذ تأتي العودة إلى المدارس بالتزامن مع تجدد التصعيد في عدد من نقاط التماس، ما يثير مخاوف الأسر، خصوصًا في المناطق التي شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات أو قصفًا وأضرارًا طالت مرافق مدنية.
وتخشى عائلات في المناطق القريبة من خطوط التماس من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى تعطيل الدراسة أو تعريض الطلاب والمعلمين للخطر، فضلًا عن احتمال اضطرار بعض الأسر إلى النزوح إذا تدهورت الأوضاع الأمنية.
وتقول أم سماء إن المدرسة التي تعمل فيها تقع بالقرب من خطوط التماس، وأي تصعيد عسكري في المنطقة قد يتسبب في كارثة إنسانية تطال الطلاب.
وتلفت إلى أن عددًا من المدارس الحكومية والأهلية يقع بالقرب من المنطقة الشرقية للمدينة، ويقدر عددها بنحو 10 إلى 13 مدرسة أساسية وثانوية، ما يجعل أي تصعيد محتمل مصدر قلق للطلاب والمعلمين والأسر.
تحديات التعليم
وفي هذا السياق، يقول أمين عام نقابة المعلمين اليمنيين، عبدالرحمن المقطري، إن:” العملية التصعيدية بين الحكومة الشرعية ومليشيات الحوثي لها تأثير على العملية التعليمية وحياة عامة المواطنين، وليس فقط المعلمين والطلاب”.، مشيرًا إلى أن” تداعياتها تشمل الأمان النفسي والاقتصادي والسكن والماء والنزوح القسري والتشرد وغيرها”.
وأضاف لـ” المهرية نت” أنه:” في الوقت الحالي لا نستطيع تقدير الضرر الذي قد يلحق بالعملية التعليمية بالنسبة للمدارس والطلاب والمعلمين، لعدم معرفة توقيت المعارك ومدتها، والمحاور التي ستدور فيها، ومدى قربها من المنشآت التعليمية، ومقدار شدتها ونوع الأسلحة المستخدمة فيها”. مؤكدا أن” أي حديث عن حجم الأضرار في هذا الجانب سيكون سابقًا لأوانه”.
ولفت إلى أن الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها المعلمون والطلاب صعبة جدا، فالمعلمين يعانون من ضعف المرتبات التي لا تسد أبسط الضروريات، إذ يتراوح راتب المعلم بين 45 و50 ألف ريال بالعملة الجديدة، وقد يكفي المرتب بأكمله لشراء كيس دقيق بوزن 50 كيلوغرامًا بالكثير، ناهيك عن بقية المتطلبات الضرورية، فكيف يعيش إذا كان راتبه فقط يسد قيمة كيس قمح؟، معتبرًا أن الوضع أصبح كارثيًا وأن المرتب لم يعد يحفظ للمعلم أبسط مقومات الكرامة.
وتابع” الظروف ذاتها تنعكس على الطلاب، فالكثير منهم يعيشون أوضاعًا صعبة، وربما لا تستطيع أسر الطلاب توفير الفطور لهم، فضلًا عن الملابس المدرسية وبقية المستلزمات الدراسية وتكاليف المواصلات، مؤكدًا أن الوضع المعيشي صعب ومؤثر على العملية التعليمية، ما لم تعمل الدولة على تدارك هذا الوضع”.
وطالب الجهات المعنية بسرعة صرف العلاوات والتسوية والزيادة المقررة بنسبة 20%، رغم أنها -ضئيلة جدًا- معتبرًا أنها تمثل إجراءً إسعافيًا ينبغي توفيره في أقرب فرصة، إلى جانب إعادة النظر في الحد الأدنى للأجور وسلم المرتبات وتسوية أوضاع المعلمين.
وأوضح أن العلاوات تصرف بواقع 4% وفقًا للدرجات الوظيفية من 1 إلى 20، وأن أقل راتب لأدنى درجة وظيفية، بحسب القانون، سيكون 160 ألف ريال، كما كان في عام 2005، بالإضافة إلى صرف بدلات طبيعة العمل والحوافز.
وأشار إلى أن المعلمين في عدد من المحافظات الأخرى، باستثناء محافظة تعز، يحصلون على حوافز تتراوح بين 30 و75 ألف ريال، معتبرًا أن توفيرها، رغم محدوديتها-أحسن من عدم وجودها- ويمكن أن يسهم في تحسين العملية التعليمية والحفاظ على نوع من استقرارها.
وحذر المقطري من أن عدم صرف حقوق المعلمين وتوفير الحوافز اللازمة لهم قد يهدد استمرار العملية التعليمية، خصوصًا مع بلوغ عدد منهم سن التقاعد، ووفاة آخرين، ومعاناة بعضهم من كبر السن والمرض.
وشدد على ضرورة أن تسعى الدولة بكل الوسائل المتاحة، سواء من مواردها الخاصة أو بالتعاون مع الدول الشقيقة، إلى توفير الأمان النفسي والغذائي والاجتماعي للطلاب والمعلمين، وحماية المدارس من أي تصعيد قد يهدد العملية التعليمية.
وفي ظل هذه التحديات وتجدد المخاوف من التصعيد، يظل العام الدراسي الجديد اختبارًا لقدرة الأسر والمدارس على مواصلة التعليم، في وقت يأمل فيه اليمنيون أن تبقى مقاعد الدراسة بعيدة عن تداعيات الحرب، وأن يحظى أبناؤهم بفرصة آمنة ومستقرة لمواصلة تعليمهم.



