صديق نتنياهو وحليف ترامب وأحد أبرز دعاة الحروب.. من هو ليندسي غراهام؟

أعادت وفاة السيناتور الأمريكي الجمهوري ليندسي غراهام، تسليط الضوء على مسيرة أحد أكثر السياسيين الأمريكيين تأثيراً وإثارة للجدل في ملفات السياسة الخارجية، بعدما ارتبط اسمه طوال سنوات بدعم إسرائيل، والدعوة إلى التدخل العسكري الأمريكي، وتشديد العقوبات على روسيا وإيران والصين وكوبا.
وتوفي غراهام عن عمر ناهز 71 عاماً، إثر “مرض مفاجئ لم يدم طويلاً”، وفق بيان صادر عن مكتبه، بعد يومين من آخر ظهور علني له خلال زيارة إلى العاصمة الأوكرانية كييف، بحث فيها مواصلة الدعم العسكري لأوكرانيا وتشديد العقوبات على موسكو.
وخلال أكثر من عقدين في مجلس الشيوخ، أصبح غراهام أحد أبرز “صقور” الحزب الجمهوري، وواحداً من أكثر أعضاء الكونغرس حضوراً في قضايا الحروب والأمن القومي، كما بنى علاقات وثيقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقادة سياسيين وعسكريين في إسرائيل وأوكرانيا.
من خصم لترامب إلى أحد أقرب حلفائه
لم تبدأ علاقة غراهام بترامب على أساس التحالف، إذ كان السيناتور الجمهوري من أشد منتقديه خلال الانتخابات التمهيدية للرئاسة عام 2016، ووجّه إليه انتقادات حادة خلال المنافسة داخل الحزب الجمهوري.
لكن غراهام غيّر موقفه لاحقاً، وتحول خلال ولاية ترامب الأولى إلى أحد أبرز حلفائه في مجلس الشيوخ وأكثر الجمهوريين دفاعاً عن سياساته، خصوصاً في قضايا الدفاع والسياسة الخارجية والتعيينات القضائية.
وبمرور الوقت، أصبح غراهام من الشخصيات المقربة من ترامب، وسانده في محطات سياسية حاسمة، رغم احتفاظه أحياناً بمواقف مستقلة بشأن دعم أوكرانيا وتوسيع الدور العسكري الأمريكي في الخارج.
وعقب إعلان وفاته، وصفه ترامب بأنه “أحد أعظم الأشخاص” الذين عرفهم، وقال إنه كان “دؤوباً في العمل ووطنياً أمريكياً حقيقياً”، في تعبير يعكس مستوى العلاقة التي جمعت الرجلين بعد سنوات من الخصومة السياسية.
“صديق عزيز” لنتنياهو وداعم ثابت لإسرائيل
كان دعم إسرائيل أبرز سمات مسيرة غراهام السياسية، إذ مثّل طوال سنوات أحد أكثر الأصوات دفاعاً عنها داخل الكونغرس، ودعا إلى تزويدها بالأسلحة والمساعدات العسكرية، ورفض فرض أي قيود على عملياتها العسكرية.
ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غراهام، عقب وفاته، بأنه “أحد أعظم أصدقاء إسرائيل”، وقال إن السيناتور الراحل كان يدرك أن أمن الولايات المتحدة وإسرائيل “لا ينفصل أحدهما عن الآخر”.
وأضاف نتنياهو: “لقد فقدت إسرائيل أحد أعظم أصدقائها، وفقدت الولايات المتحدة وطنياً عظيماً، أما أنا فقد فقدت صديقاً عزيزاً”.
ولم تقتصر علاقات غراهام داخل إسرائيل على نتنياهو، إذ حافظ على صلات وثيقة بالرئيس إسحاق هرتسوغ ووزراء الدفاع والخارجية ومسؤولين وقادة أحزاب، وكان ضيفاً دائماً على اجتماعات الحكومة والقيادات الإسرائيلية خلال زياراته المتكررة.
وفي فبراير/شباط 2026، زار إسرائيل والتقى نتنياهو وهرتسوغ ووزير الخارجية جدعون ساعر، وأعلن أن الولايات المتحدة “لا تملك صديقاً أفضل من إسرائيل”، فيما أشاد المسؤولون الإسرائيليون بدعمه المستمر لأمنها وتسليحها.
دعم الحرب على غزة ومهاجمة المحكمة الجنائية
برز غراهام بوصفه أحد أشد داعمي إسرائيل خلال حربها على قطاع غزة، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ودافع عن استمرار تزويدها بالأسلحة رغم ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين والانتقادات الدولية لعملياتها العسكرية.
وانتقد قرار إدارة الرئيس السابق جو بايدن تعليق بعض شحنات الأسلحة إلى إسرائيل، وطالب بتوفير كل ما تحتاج إليه لمواصلة الحرب، كما استخدم قصف الولايات المتحدة لمدينتي هيروشيما وناغازاكي خلال الحرب العالمية الثانية لتبرير استخدام القوة المفرطة من أجل إنهاء الحروب.
ودخل غراهام في مواجهة مباشرة مع المحكمة الجنائية الدولية، عقب طلب مدعيها العام إصدار مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.
ودعا إلى فرض عقوبات على المحكمة ومسؤوليها، وقال خلال جلسة في مجلس الشيوخ: “إذا فعلتم هذا بإسرائيل، فنحن التالي”، معتبراً أن ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين قد تمهّد لملاحقة مسؤولين أمريكيين.
وكشف المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، في مايو/أيار الماضي، أن غراهام قال له إن المحكمة أُنشئت للتعامل مع دول إفريقية وشخصيات مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وليس مع دول وصفها بـ”الديمقراطية” مثل إسرائيل والولايات المتحدة.
إيران في دائرة التهديد المستمر
مثّلت إيران واحداً من أبرز الملفات التي تبنى غراهام بشأنها مواقف متشددة، إذ عارض الاتفاقات النووية التي لا تتضمن تفكيكاً واسعاً لقدرات طهران، ودعا باستمرار إلى تشديد العقوبات الاقتصادية والسياسية عليها.
كما ظل من أبرز المؤيدين للخيار العسكري ضد إيران، وشجّع على توجيه ضربات إلى منشآتها النووية والعسكرية، معتبراً أن الدبلوماسية يجب ألا تكون بديلاً عن التهديد باستخدام القوة.
وفي فبراير/شباط 2026، ألمح إلى احتمال شن هجوم أمريكي إسرائيلي مشترك ضد إيران، وقال إن إدارة ترامب تدرس المسارين الدبلوماسي والعسكري، مؤكداً ضرورة إبقاء القوة خياراً مطروحاً إذا لم تستجب طهران للشروط الأمريكية.
وربط غراهام أي مفاوضات مستقبلية مع إيران بموقفها من إسرائيل، وطالب بأن تبدأ المحادثات باعتراف إيراني بحق إسرائيل في الوجود، إلى جانب فرض قيود واسعة على البرنامج النووي والصواريخ الباليستية ودعم طهران للجماعات المسلحة في المنطقة.
داعم لأوكرانيا وعدو سياسي لروسيا
وعلى خلاف بعض الجمهوريين الذين طالبوا بتقليص المساعدات الأمريكية لأوكرانيا، ظل غراهام من أبرز المدافعين عن استمرار دعم كييف عسكرياً ومالياً في حربها مع روسيا.
وأجرى زيارات متكررة إلى أوكرانيا، والتقى الرئيس فولوديمير زيلينسكي ومسؤولين عسكريين وسياسيين، وقاد مع أعضاء في مجلس الشيوخ من الحزبين جهوداً لفرض عقوبات أشد على روسيا والدول التي تشتري النفط والمنتجات الروسية.
وفي مارس/آذار 2022، أقر مجلس الشيوخ بالإجماع مشروع قرار قدمه غراهام يدين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باعتباره “مجرم حرب”، ويدعو إلى إجراء تحقيق دولي في الجرائم المنسوبة إلى القوات الروسية.
وكان آخر ظهور علني لغراهام قبل وفاته خلال زيارة إلى كييف، ناقش فيها مع مسؤولين أوكرانيين العقوبات على روسيا واستمرار الدعم العسكري الأمريكي، ما عكس استمرار انخراطه في الملف الأوكراني حتى أيامه الأخيرة.
سياسي مؤيد للتدخلات العسكرية
ارتبط اسم غراهام، على مدى مسيرته، بالدفاع عن توسيع الدور العسكري الأمريكي في العالم، وتأييد الحروب والعمليات العسكرية ضد الدول والجماعات التي تعتبرها واشنطن تهديداً لمصالحها.
ودعم زيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز انتشار القوات الأمريكية في الخارج، واتباع سياسات أكثر تشدداً تجاه الصين وكوبا وإيران وروسيا، كما أيّد عدداً من التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، لوّح بإمكانية تحرك عسكري أمريكي ضد كوبا، وقال إن أيام النظام الكوبي “باتت معدودة”، معرباً عن أمله في حدوث تغيير سياسي خلال العام الجاري.
وجعلته هذه المواقف هدفاً دائماً للانتقادات، إذ وصفه معارضوه بأنه أحد أبرز دعاة الحروب في الكونغرس، واتهموه بتغليب الحلول العسكرية والعقوبات على الدبلوماسية، فيما اعتبره أنصاره مدافعاً عن قوة الولايات المتحدة ومصالحها الدولية.
ثلاثة عقود في السياسة والجيش
وُلد ليندسي أولين غراهام في التاسع من يوليو/تموز 1955، في بلدة “سنترال” بولاية كارولاينا الجنوبية، وحصل على شهادة في القانون من جامعة الولاية عام 1981.
والتحق بالقوات الجوية الأمريكية محامياً عسكرياً ومدعياً عاماً، ثم خدم في الحرس الوطني واحتياطي القوات الجوية، قبل أن يتقاعد برتبة عقيد عام 2015، بعد خدمة عسكرية امتدت نحو ثلاثة عقود.
بدأ مسيرته السياسية في مجلس نواب ولاية كارولاينا الجنوبية عام 1992، وانتُخب عام 1994 عضواً في مجلس النواب الأمريكي، قبل انتقاله إلى مجلس الشيوخ عام 2003، بعد فوزه في انتخابات عام 2002.
وأعيد انتخابه في أعوام 2008 و2014 و2020، وتولى رئاسة لجنة الموازنة، كما كان عضواً في لجان المخصصات والقضاء والبيئة والأشغال العامة، وخاض لفترة وجيزة سباق الانتخابات الرئاسية عام 2015.
وبرحيله، فقد الحزب الجمهوري أحد أبرز وجوهه في السياسة الخارجية، فيما خسرت إسرائيل واحداً من أكثر المدافعين عنها داخل الكونغرس، وغاب سياسي ارتبط اسمه على مدى عقود بالحروب والعقوبات والتحالفات العسكرية الأمريكية حول العالم.



