ثماني سنوات من الألم والصمود.. شاب عدني يتحدى إعاقته بعد نجاته من عملية اغتيال في عدن ويشق طريقه نحو الحياة

في مدينة عدن التي أثقلت كاهلها سنوات الحرب وموجات الاغتيالات، لا تزال بعض القصص تختزن وجع تلك المرحلة، وتروي في الوقت ذاته ملامح نادرة من الصمود.
ومن بين هذه القصص تبرز حكاية الشاب العدني أحمد عارف، البالغ من العمر 26 عامًا، الذي نجا وهو في الثامنة عشرة من عمره من الموت في عملية إرهابية استهدفت والده، لكنه خرج منها بإعاقة دائمة غيّرت مجرى حياته إلى الأبد.
وعلى الرغم من مرور ثماني سنوات على ذلك اليوم الدامي، فإن تفاصيله ما تزال حاضرة في ذاكرة أحمد، الذي تحوّل من شاب يملأ وقته بالتجوال على سواحل عدن وركوب الدراجات وصيد الأسماك، إلى ناجٍ يخوض معركة يومية مع الألم والإعاقة وتحديات الحياة.
ورغم فقدانه إحدى ساقيه، لم يسمح للجريمة بأن تسلبه إرادته أو تدفعه إلى الاستسلام، بل اختار أن يصنع من محنته قصة كفاح تستحق أن تُروى.
وأعادت توجيهات وزير الشباب والرياضة نايف البكري، القاضية بتمكين الشاب أحمد من فرصة عمل مناسبة، تسليط الضوء على معاناة شاب دفع ثمنًا باهظًا لمرحلة الاغتيالات التي شهدتها عدن، وما زال حتى اليوم ينتظر العدالة وإنصاف الضحايا.
وتعود فصول الحكاية إلى 31 يوليو 2018، حين انفجرت عبوة ناسفة استهدفت سيارة والده الدكتور عارف أحمد علي، أحد قيادات المقاومة الشعبية، في مديرية المعلا. حينها نجا أحمد من الموت بأعجوبة، لكنه فقد ساقه وأصيب بحروق وجروح بالغة، فيما تحولت حياته منذ تلك اللحظة إلى رحلة طويلة من العلاج والتأهيل والتأقلم مع واقع جديد لم يختره بنفسه.
وفي حديث خاص لـ”المصدر أونلاين”، يقول أحمد إن آثار الجريمة لم تتوقف عند حدود إصابته الجسدية، بل امتدت لتطال أسرته بأكملها، فوالده عاش سنواته الأخيرة مثقلًا بوجع ما أصاب ابنه، واضطر إلى مغادرة عدن والابتعاد عن عمله وأسرته خشية التعرض لمحاولة اغتيال جديدة، قبل أن يتوفى في مايو 2022 بعيدًا عن المدينة التي أحبها ودافع عنها.
ويستعيد أحمد بحزن تفاصيل الحياة التي فقدها بعد الإصابة؛ فلم يعد قادرًا على ممارسة هواياته المفضلة أو التنقل بحرية كما كان يفعل سابقًا، إلا أنه، وبرغم تلك الخسائر، رفض الاستسلام، وواصل تعليمه حتى حصل على دبلوم في الميكانيكا، قبل أن يعمل في مركز الملك سلمان للأطراف الصناعية، في تجربة منحته أملًا جديدًا وثقة أكبر بقدرته على الاستمرار.
ويؤكد أن دعم والدته وشقيقاته وأصدقائه كان السند الأكبر في تجاوز المحنة، غير أن الألم الحقيقي، كما يقول، لا يكمن في فقدان ساقه بقدر ما يكمن في غياب العدالة وإفلات المتورطين من العقاب، ويضيف: “ما يؤلمني أن القضية أُغلقت وكأن شيئًا لم يحدث، بينما ما زلنا نحن الضحايا نحمل آثارها كل يوم”.
ورغم سنوات الخوف والترقب التي أعقبت الحادث، اختار أحمد أن ينتصر للحياة، ويقول: “كان أمامي خياران؛ أن أبقى أسيرًا للإعاقة والخوف، أو أن أواصل طريقي مهما كانت الصعوبات، فاخترت أن أعيش”.
وتبقى قصة أحمد عارف شاهدًا حيًا على كلفة الاغتيالات التي عصفت بالعاصمة المؤقتة عدن خلال سنوات مضت، وعلى قدرة الإنسان على تحويل الجراح إلى قوة، والنجاة إلى رسالة أمل، حتى في أكثر اللحظات قسوة، في ظل غياب الاهتمام الحكومي الكافي بهؤلاء الضحايا وما خلفته تلك الجرائم من آثار إنسانية ونفسية واجتماعية ما تزال ماثلة حتى اليوم.
ويُعد الدكتور عارف، والد الشاب أحمد، من أبرز الكوادر التي ساندت المقاومة الشعبية في عدن خلال معارك عام 2015 ضد مليشيا الحوثي، حيث رابط في عيادة القلوعة لاستقبال الجرحى وتقديم الإسعافات الأولية لهم، قبل تحويل الحالات الحرجة إلى مستشفى باصهيب لاستكمال العلاج، كما تواصلت جهوده الإنسانية بعد التحرير من خلال مشاركته في مبادرات ومشاريع مكافحة الأوبئة، كونه كان يعمل في البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا آنذاك.



